عمرو بن الجموح  

 

(شيخ عزم على أن يطأ بعرجته في الجنة)

 

كان من شأن الأشراف في الجاهلية أن يتخذ أحدهم صنما لنفسه يهل له, ويتبرك به,وكان من بين هؤلاء   الأشراف  سيد من سادات بني سلمه "عمرو بن الجموح بن زيد الخزرجى الأنصاري"وكان سادنا لأصنام قومه

اتخذ عمرو بن الجموح في داره صنما صنع من الخشب النفيس ,وكان يبالغ في العناية به,وقد عكف على  رعايته   زمنا طويلا حتى كبر  سنه,وهو ما يزال يرعى صنمه الذي اسمه"مناف"أو"مناه"كالصنم الذي يعظمه قومه في مكة.

و كان لعمرو بن الجموح أربعة أولاد:معاذ,ومعوذ,وخلاد,وعبد الرحمن,وابنه اسمها"هند",وزوجته"هند بنت عمرو بن  حرام",وكانت زوجته وأولاده قد استجابوا لداعي الإسلام في المدينة"مصعب بن عمير"سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن أولاده مع أمهم,وأسلم كذلك معظم أفراد قبيلته وقومه,ولم يتأخر عن الإسلام سواه,وأوجس عمرو بن الجموح خيفة من الداعية المكي مصعب بن عمير,حيث كان سببا في انضمام عدد غير قليل من الأوس والخزرج إلى ركب الإسلام,ونمي إليه أن سيد الأوس"سعد بن معاذ"قد أ سلم هو وقومه,وأن كثيرا من أبناء قبيلته بني سلمه قد فارقوا دينهم ودين آبائهم,وانضموا إلى رعيل المسلمين.

ي   وبات عمرو بن الجموح يخشى على أولاده أن يتخلوا عن الأصنام وعن دين الآباء والأجداد,وخشي كذلك أن تصيبهم الآلهة بسوء,لأنهم كانويسخرون منها وراحت تطارده الهواجس وتقض مضجعه,وخاف أن يتبع أولاده ما يدعو إليه ذاك الشاب المكي, فأ أفضى ما يدور في خاطره وما يساوره إلى ا امرأته ,وقال لها:((لا تدعي أحدا من عيالك في أهلك حتى ننضر ما يصنع هؤلاء))فقالت له امرأته:أفعل , ولكن هل لك أن تسمع من ابنك معاذ ما روى عن الشاب المكي مصعب بن عمير؟ قال عمرو مستنكرا:فلعله صبأ؟ فأجبته امرأته ــ وهي ترجو الله أن يذعن  للحق ــ قائلة:لا, ولكن كان مع القوم يسمع.

وأرسل عمرو إلى ابنه معاذ وقال له:أخبرني ما سمعت من كلام مصعب,فقرأ عليه:بسم الله الرحمن الرحيم(الحمد لله رب العالمين .الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين .إياك نعبد وإياك نستعين.اهدنا الصراط المستقيم.صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ).

عند ذلك تأثر عمر و بهذه الآيات,وقال:ما أحسن هذا الكلام وأجمله!فقال له ابنه:هل لك أن تبايعه,فقد صنع ذلك عامة قومك.قال عمرو:لست فاعلا حتى أنظر في هذا الأمر,ثم بعث إلى مصعب ابن عمير ومن تبعه وقال لهم:ما هذا الذي جئتمونا به.قالوا إن شئت جئنا وأسمعناك.

فواعدهم,فجاءوا,فقرأ عليه مصعب بن عمير_رضي الله عنه وأرضاه_(آلر.تلك آيات الكتاب المبين...)(1) فقرأ ما شاء الله أن يقر أ,فقال عمرو بن الجموح:إن لنا مؤامرة في قومنا_وكان سيد بني سلمه_فخرجوا,فدخل على صنمه مناف فقال:"يا مناف تعلم والله ما يريد القوم غيرك,فهل عندك من نكير".

ترك عمرو بن الجموح صنمه الأثير وخرج,وفي الليل تسلل ولده معاذ بن عمرو مع معاذ بن جبل مع فتيه من بني سلمه,وأد لجوا إلى المكان الموجود فيه مناف فألفوا رائحة الطيب تنبعث منه,فحملوه ثم طرحوه في إحدى حفر بني سلمه وكانوا يلقون فيها أقذار هم,ونكسوه على رأسه,ولما أصبح عمرو دخل إلى صنمه ليتبرك به,فلم يره في مكانه فصاح عاليا:"ويلكم,من عدا على إلهنا هذه الليلة"؟!.

ولكن صياحه يذهب سدى ,فلا يجيبه إلا صدى صوته من بعيد,ثم بدأ البحث عن صنمه,فلم يترك مكانا في البيت إلا فتش فيه عنه,ثم غدا بعيدا فوجده في إحدى الحفر القذرة منكسا على رأسه في منظر سيئ,فحمله وعاد إلى البيت,والغضب يرتسم على وجهه,ثم غسله وطهره,وسكب عليه الطيب وخاطبه قائلا:"وايم الله لو أني أعلم من صنع بك هذا لأخزيته"ثم وضع صنمه في مكانه,وعند المساء تكررت فعلة الأمس,وعدا الفتيه مع ابنه معاذ على الصنم وألقوه في حفرة أخرى,ولما أصبح عمرو راح يبحث عن صنمه حتى ألفاه في أسو أحال منكسا على رأسه أيضا.

فحمله وعاد به ثم غسله وأكثر من تضميخه بالطيب الفاخر وأعاده إلى مكانه,غير أن فتية بني سلمه راقت لهم هذه العملية الطريفة,فكانوا يعيدون الكره كل يوم,حتى جاء اليوم الذي أراد له الله_تعالى_أن يسلم فيه,حيث نهض ذات يوم ,فغسله وطيبه وطهره,ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم خاطبه قائلا :"إني والله لا أعلم من يفعل بك ما ترى,فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك"ولما أمسى عمرو بن الجموح ونام انتظره الفتيان حتى استغرق في نومه,ثم عدوا على الصنم كالعادة,فألفوا سيفا معلقا في عنقه هذه المر ه,فأخذوا السيف,ثم خطرت في بالهم فكرة قد تجعل عمرو بن الجموح يستيقظ من غفلته هذه,فأخذوا كلبا ميتا فقرنوه مع الصنم بحبل ثم قذفوا بهما في بئر من آبار بني سلمه تتجمع فيها الأقذار,ولما أصبح غدا على صنمه فلم يجده,فخرج في طلبه حتى وجده في تلك البئر القذرة منكسا ومقرونا بكلب ميت ولم يجد السيف معه,فأحس أن صنمه لا يستطيع دفع الأذى عن نفسه,فتركه في البئر ,واحتقره,ثم كلمه من أسلم من قومه فأعلن إسلامه,وودع الأصنام وداعا لا لقاء  بعده,وأنشأ يذم صنمه ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلال ويقول:

 

والله لو كـــنت إلــــها لم تــــكــــن

أنــــــت وكـــلب وسط بئر في قـــــرن

الحــــمـــــــد لله العــــلي ذي المنن

الواهـــــب الرزاق ديـــــــان الديـــــــن

هو الذي أنـقذنـــي من قــــــــبل أن

أكـــــون في ظـــــلمة قبر مرتــــــــــهن

 

 

  العوده  للرئيسه